تواجه دبي اختباراً غير مسبوق منذ اندلاع الحرب بين الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية، بعدما انتقلت تداعيات الصراع من المجال العسكري إلى قلب الاقتصاد الذي بُني على الاستقرار والانفتاح والتجارة العالمية، فالمدينة التي رسخت مكانتها لعقود باعتبارها مركزاً مالياً وسياحياً ولوجستياً في الشرق الأوسط وجدت نفسها أمام تحديات تهدد القطاعات التي صنعت ازدهارها.

وترى صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في تقرير نشرته، اليوم الثلاثاء، أن الحرب الإيرانية وضعت دبي أمام اختبار صعب يمس جوهر نموذجها الاقتصادي القائم على الانفتاح والاستقرار وسهولة حركة التجارة والأفراد.

ورغم نجاح أنظمة الدفاع الإماراتية في الحد من آثار الهجمات الإيرانية، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب بدت أكثر عمقاً واستمراراً. فقد تضررت حركة السفر والتجارة، وتراجعت مؤشرات السياحة والعقارات، فيما أصبحت قدرة دبي على الحفاظ على جاذبيتها للمستثمرين والشركات محل اختبار حقيقي.

ونقلت الصحيفة عن خبراء أن المعركة الأهم بالنسبة للإمارة لم تعد عسكرية بقدر ما أصبحت اقتصادية، إذ إن مستقبل نموذجها التنموي القائم على تدفق رؤوس الأموال والكفاءات العالمية سيتحدد بمدى قدرتها على تجاوز هذه المرحلة واستعادة الثقة التي جعلتها واحدة من أكثر المدن جذباً للأعمال في المنطقة.

ضغوط على القطاعات الحيوية

لطالما اعتمدت دبي على التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة والتمويل بدلاً من النفط، وهو ما مكّنها من التحول إلى مركز اقتصادي عالمي. وقبيل اندلاع الحرب، كانت الإمارات تستعد لتحقيق إنجاز اقتصادي جديد مع توقع تجاوز حجم التجارة غير النفطية حاجز التريليون دولار خلال عام 2025.

لكن الحرب ألقت بظلالها على هذه الطموحات. فبحسب تقديرات اقتصادية، تراجعت معدلات إشغال الفنادق الفاخرة بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، كما شهد مطار دبي الدولي انخفاضاً كبيراً في حركة المسافرين بعد تعليق وإلغاء عدد من شركات الطيران رحلاتها إلى الإمارة.

ولم تقتصر التداعيات على قطاع السياحة، إذ تعرضت حركة الشحن والتجارة لاضطرابات واسعة؛ فقد أُغلق ميناء جبل علي، أكبر ميناء للحاويات خارج شرق آسيا، لفترة بعد تعرض سفن لإطلاق نار، قبل أن يعاد تشغيله لاحقاً. ومع ذلك، ظلت حركة السفن أقل بكثير من معدلاتها السابقة، ما انعكس على تدفقات التجارة وسلاسل الإمداد.

وتتوقع مؤسسات مالية دولية أن يشهد الاقتصاد الإماراتي انكماشاً هذا العام، في تحول حاد مقارنة بمعدلات النمو التي سجلها خلال العام الماضي، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي فرضها الصراع على مختلف الأنشطة الاقتصادية.

التجارة تحت الضغط

بعيداً عن الأبراج الشاهقة والمراكز التجارية الفاخرة، تظهر آثار الأزمة بوضوح في الشركات التي تعتمد على حركة التجارة الدولية.

ويعد قطاع إعادة التصدير أحد أهم ركائز اقتصاد دبي، حيث تستفيد آلاف الشركات من موقع الإمارة الاستراتيجي ومنظومتها اللوجستية المتطورة. غير أن الحرب أوجدت تحديات جديدة أمام هذه الشركات بعد تعطل بعض المسارات البحرية التقليدية.

ومن بين المتضررين رجال أعمال يعملون في تجارة السيارات، وهي واحدة من أبرز الأنشطة التجارية في المناطق الحرة بالإمارة. فقد أدى تعطل بعض خطوط الشحن إلى تحويل البضائع نحو مسارات بديلة عبر السعودية وسلطنة عُمان، الأمر الذي رفع تكاليف النقل بشكل كبير وزاد أسعار المنتجات.

ورغم إعلان الحكومة الإماراتية حزم دعم للشركات المتضررة من الحرب، فإن العديد من أصحاب الأعمال لا يزالون يواجهون حالة من عدم اليقين بانتظار انتهاء الصراع واستعادة النشاط التجاري لطبيعته.

في الوقت ذاته، اتخذت السلطات موقفاً صارماً تجاه تداول المعلومات المتعلقة بتداعيات الحرب، في محاولة للحفاظ على الاستقرار ومنع انتشار ما تعتبره أخباراً قد تؤثر على الثقة بالاقتصاد والأسواق.

اختبار الثقة والاستثمار

أثرت الحرب أيضاً على صورة دبي باعتبارها وجهة مفضلة للعيش والعمل؛ فبحسب مسؤولين في قطاع التوظيف، تراجعت وتيرة انتقال الكفاءات الأجنبية إلى الإمارة مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، بينما فضلت بعض العائلات إرسال أبنائها إلى بلدانهم الأصلية مؤقتاً بسبب المخاوف الأمنية.

ورغم هذه التحديات، تظهر بعض المؤشرات أن الاقتصاد لا يزال يحتفظ بعناصر قوة مهمة. فقد تمكن سوق الأسهم المحلي من تعويض خسائر كبيرة تكبدها في الأسابيع الأولى للحرب، كما استمرت المؤسسات المالية والشركات الكبرى في ممارسة أعمالها بصورة طبيعية نسبياً.

ويؤكد اقتصاديون أن سمعة دبي الدولية وشبكة علاقاتها الواسعة ومكانتها كمركز مالي إقليمي ما تزال تمثل عوامل جذب قوية للمستثمرين والمتخصصين، وهي مزايا يصعب على المدن المنافسة تعويضها سريعاً.

أما القطاع العقاري، الذي يعد أحد أبرز محركات النمو في الإمارة، فقد شهد تراجعاً ملحوظاً في قيمة الصفقات خلال الأشهر الأولى من الحرب. ومع ذلك، يواصل المطورون تنفيذ مشاريعهم رغم ارتفاع تكاليف البناء، معتبرين أن التراجع الحالي مؤقت وليس بداية لأزمة طويلة الأمد.

كما امتدت تداعيات الحرب إلى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو أحد أهم رهانات الإمارات المستقبلية، فقد تعرضت بعض مراكز البيانات لأضرار نتيجة هجمات بالطائرات المسيّرة، ما أثر على خطط التوسع والاستثمار في هذا المجال. إلا أن الحكومة تؤكد استمرار التزامها بمشاريع الذكاء الاصطناعي والعمل على تطوير بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة المخاطر.