تحولت بداية موسم "جمرة القيظ" في الإمارات إلى قضية تصدرت النقاش على المستويات الرسمية والشعبية والحقوقية، بعدما تزامنت التحذيرات من دخول أكثر فترات الصيف حرارة مع خطب الجمعة التي دعت إلى استقبال الموسم بـ"الرضا وعدم سبّ الصيف"، في وقت أطلقت فيه منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحذيرات من المخاطر التي يتعرض لها مئات الآلاف من العمال الوافدين تحت درجات حرارة قد تتجاوز 50 درجة مئوية.

ودخلت الإمارات منذ 3 يوليو فترة "جمرة القيظ"، التي تستمر قرابة أربعين يوماً حتى 10 أغسطس، وتُعد تقليدياً أشد فترات العام حرارة وجفافاً، وهو ما جعلها محور اهتمام المواطنين والوافدين وعلى منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب منابر المساجد والتقارير الحقوقية.

أشد 40 يوماً حرارة

وحذر خبراء الأرصاد والفلك من أن درجات الحرارة قد تتجاوز 50 درجة مئوية في بعض المناطق الصحراوية، مع نشاط رياح "السموم" الحارة والجافة، فيما وصفت وسائل إعلام محلية الموسم بأنه "أشد 40 يوماً حرارة في العام".

وبحسب جمعية الإمارات لعلم الفلك، فإن "جمرة القيظ" مصطلح عربي قديم يشير إلى ذروة الصيف في شبه الجزيرة العربية، ويبدأ فلكياً مع ظهور أول نجوم كوكبة الجوزاء قبيل الفجر.

وأوضح رئيس الجمعية، إبراهيم الجروان، أن الموسم يمثل الفترة الأكثر حرارة وجفافاً في العام، حيث تتجاوز درجات الحرارة في المناطق الداخلية والصحراوية عادة45 إلى 46 درجة مئوية، وقد تتخطى 50 درجة خلال موجات الحر الشديدة.

وأضاف أن المدن الساحلية تسجل درجات حرارة تتراوح بين 41 و43 درجة مئوية مع ارتفاع تدريجي في نسب الرطوبة، في حين تنشط رياح "السموم" وتزداد ظواهر السراب والعواصف الترابية.

وأشار الجروان إلى أن الموسم يتميز أيضاً بما يعرف محلياً بـ"واغرات القيظ"، وهي موجات ترتفع خلالها درجات الحرارة بما لا يقل عن أربع درجات فوق المعدلات الطبيعية لمدة يومين متتاليين أو أكثر.

وبيّن أن الموسم يبدأ بظهور نجم "الحق"، يليه "الحق" في 16 يوليو، ثم "الميرزام" في 29 يوليو، قبل أن ينتهي بظهور "النثرة" في 11 أغسطس، إيذاناً بمرحلة تمتزج فيها الحرارة المرتفعة بالرطوبة العالية.

تفاعل واسع على مواقع التواصل

ومع بدء الموسم، تصدر وسم "جمرة القيظ" ومنشورات الطقس منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون صوراً وتعليقات ساخرة عن خلو الشوارع خلال ساعات الظهيرة، في ظل درجات حرارة تجاوزت 50 درجة في بعض المناطق الصحراوية.

كما أعاد مستخدمون تداول معلومات عن وصول حرارة الأسطح المعدنية والسيارات المتوقفة تحت أشعة الشمس إلى نحو 70 درجة مئوية، ما فتح نقاشاً واسعاً حول مخاطر العمل في الأماكن المكشوفة خلال أشهر الصيف.

خطبة الجمعة: "مرحباً بالصيف"

وبالتزامن مع هذا الجدل، خصصت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة خطبة الجمعة بعنوان "مرحباً بالصيف"، دعت فيها إلى استقبال الموسم بروح الرضا وعدم التذمر.

وجاء في الخطبة: "وما لنا ألا نرحب به وهو موسم من مواسم الله؟ لا يجوز سبه ولا التأفف منه، وكيف نتأفف منه؟ وقد أودع الله فيه الكثير من النعم والعطايا، فهو موسم الإجازات، ومتسع الأوقات، وتلك نعمة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس."

وفي مساجد الدولة، كرر الخطباء التأكيد على أن سبّ الصيف أو التأفف منه لا يجوز، مشيرين إلى أن المقيمين في الدولة ينتقلون بين سيارات ومنازل ومقار عمل ومساجد مكيفة، معتبرين ذلك من النعم التي تستوجب الشكر.

تقرير حقوقي: الإمارات تعرض العمال الوافدين لصيف قاتل

في المقابل، تزامن دخول "جمرة القيظ" مع صدور تقرير جديد لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" اتهم السلطات الإماراتية بعدم توفير حماية كافية للعمال الوافدين من مخاطر الحرارة الشديدة، معتبراً أن آلاف العمال يواصلون العمل في مواقع البناء والطرق وخدمات التوصيل في ظروف قد تهدد حياتهم.

وقالت المنظمة إن الإجراءات الحالية لا ترقى إلى مستوى التحديات التي تفرضها درجات الحرارة المرتفعة، رغم تزايد الأدلة العلمية التي تؤكد المخاطر الجسيمة الناجمة عن العمل في الحر الشديد.

ونقلت عن عدد من العمال الوافدين أنهم يضطرون إلى مواصلة العمل في الهواء الطلق لساعات طويلة، رغم وصول درجات الحرارة إلى مستويات تجعل أداء المهام البدنية بالغ الصعوبة.

وقال أحد عمال إنشاء الطرق إن الحرارة أصبحت "لا تُطاق"، موضحاً أنه كان يعمل عندما بلغت الحرارة 48 درجة مئوية.

وأضاف: "خلال الصيف يصبح العمل شاقاً منذ الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحاً، لكننا مضطرون إلى الاستمرار حتى الساعة الحادية عشرة والنصف قبل بدء فترة الحظر، وتلك هي أصعب ساعات اليوم."

وأشار إلى أن كثيراً من العمال يعيشون حالة قلق مع اقتراب كل صيف، ويتساءلون كيف سيتمكنون من اجتياز الموسم الجديد في ظل الظروف نفسها.

وأكدت المنظمة أن نظام حظر العمل وقت الظهيرة، المطبق في الإمارات، لا يوفر حماية كافية لأنه يعتمد على ساعات زمنية ثابتة، بدلاً من ربط العمل بمستويات الإجهاد الحراري الفعلية ودرجات الحرارة والرطوبة.

وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة، مايكل بيج، إن الإمارات تمتلك الإمكانات المالية والإدارية التي تؤهلها لاعتماد معايير أكثر فاعلية لحماية العمال، داعياً إلى استبدال نظام الحظر الزمني بآلية تعتمد على مؤشرات علمية لقياس الإجهاد الحراري في مواقع العمل.

وأضاف أن التغير المناخي يزيد من خطورة العمل في الهواء الطلق، ما يستدعي تحديث سياسات السلامة المهنية بما يتناسب مع الواقع المناخي الجديد.

وأوضحت المنظمة أنها أجرت مقابلات مع عمال في قطاعات البناء وخدمات التوصيل، تحدثوا عن ضغوط مستمرة من أصحاب العمل وشركات المنصات الرقمية تدفعهم إلى مواصلة العمل حتى في أكثر ساعات النهار حرارة.

وقال أحد سائقي التوصيل: *"إذا وصل طلب، فعليك توصيله سواء كان الجو شديد الحرارة أو حتى أثناء الظروف الجوية الصعبة."*

وأشارت المنظمة إلى أن بعض الشركات وفرت محطات استراحة وحافلات مكيفة ومياهاً باردة، كما أعلنت السلطات الإماراتية توسيع هذه المرافق، إلا أن العمال أكدوا أنها لا تزال محدودة ولا تغطي جميع مناطق العمل.

وقال أحد العمال إن محطات الراحة المكيفة متوفرة في بعض المواقع فقط، بينما يضطر كثيرون إلى مواصلة العمل لمسافات طويلة دون إمكانية الوصول إلى أماكن مناسبة للاستراحة أو التبريد.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أن التعرض المستمر للحر الشديد قد يؤدي إلى ضربة شمس قاتلة، وأمراض الكلى، وتراجع القدرات الذهنية، وارتفاع احتمالات الحوادث المهنية، فضلاً عن زيادة مخاطر الوفاة المبكرة.

وقال عامل آخر: "أحياناً نسمع أن عاملاً في شركة أخرى انهار بسبب الحر وتوفي. عندما نسمع ذلك نشعر بالخوف، ونتساءل إن كان الدور سيأتي علينا في اليوم التالي، لأننا نعمل في الظروف نفسها."

وأضاف التقرير أن ظروف العمل تختلف بصورة كبيرة بين الشركات، إذ توفر بعض المؤسسات فرقاً طبية ومياهاً باردة ومرافق صحية مناسبة، بينما تفتقر شركات أخرى إلى الحد الأدنى من إجراءات السلامة.

وأشار بعض العمال إلى أن غياب مرافق صحية كافية يدفع كثيرين إلى تقليل شرب المياه لتجنب الحاجة إلى استخدام دورات المياه، ما يزيد من مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري.

وشددت المنظمة على أن استمرار الاعتماد على سياسات لا تستند إلى المعايير العلمية، وضعف الرقابة على التزام الشركات بإجراءات السلامة، جعلا حماية العمال تعتمد في كثير من الأحيان على قرارات أصحاب العمل أكثر من اعتمادها على قواعد ملزمة.

ودعت السلطات الإماراتية إلى اعتماد نظام يستند إلى مؤشرات علمية لقياس الإجهاد الحراري في الوقت الفعلي، وربط ساعات العمل بدرجات الحرارة والرطوبة، مع ضمان توفير مياه الشرب الباردة، ومناطق مظللة ومكيفة للراحة، وفترات توقف إلزامية خلال موجات الحر الشديد.

واختتمت المنظمة تقريرها بالتأكيد على أن التغير المناخي يجعل صيف الإمارات أكثر قسوة عاماً بعد آخر، ما يفرض تحركاً عاجلاً لحماية ملايين العمال الوافدين الذين تعتمد عليهم قطاعات اقتصادية واسعة، ومنع وقوع مزيد من الإصابات والوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري.