في ظل تصاعد الخلافات بين الرياض وأبوظبي على خلفية صراعات إقليمية متشابكة، تتجه الرياض إلى توسيع شبكة اتفاقاتها الدفاعية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، في خطوة قد تُحدث تحولات في المشهد الأمني الإقليمي، وتعكس في الوقت ذاته إعادة تموضع داخل منظومة التحالفات الخليجية.
وبحسب تقرير لـ"دويتشه فيله" الألمانية، فإن الحراك الدبلوماسي والعسكري السعودي المتسارع يأتي في وقت تتباين فيه أولويات الرياض وأبوظبي، خصوصًا في ملفات اليمن والسودان، حيث يدعم الطرفان قوى متعارضة، ما ألقى بظلاله على علاقتهما الاستراتيجية خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بنظيره المصري بدر عبد العاطي، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لبحث "قضايا ذات اهتمام مشترك"، وفق بيان رسمي. غير أن التقرير يرجّح أن المحادثات تجاوزت الإطار الدبلوماسي التقليدي، لتشمل تفاصيل اتفاق دفاعي جديد بين الرياض والقاهرة.
كما أشار التقرير إلى أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يُتوقع أن يزور السعودية خلال أيام لتوقيع اتفاق دفاعي مماثل، وهو ما قد يفضي، في حال ضمّ الصومال إلى التفاهمات السعودية–المصرية، إلى تشكيل محور ثلاثي يعزز النفوذ السعودي والمصري على الضفة الأفريقية من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
تحالفات تتجاوز الإقليم
ووفق ما نقلته دويتشه فيله عن تقارير لوكالة بلومبرغ، تُبدي تركيا اهتمامًا متزايدًا بالانضمام إلى اتفاق الدفاع الاستراتيجي القائم بين السعودية وباكستان منذ سبتمبر الماضي، ما يفتح الباب أمام تحالف أوسع يصفه بعض المراقبين بـ"ناتو إسلامي".
ويرى محللون أن مثل هذا التحالف، في حال اكتماله، سيجمع بين القدرات النووية الباكستانية، والإمكانات المالية السعودية، والقوة العسكرية التركية. وكتب الخبير الجيوسياسي الإيطالي سيرجيو ريستيلي، في مقال رأي نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل، أن هذا التكتل "لن يكون رمزيًا"، بل سيخلق محورًا أمنيًا عابرًا للأقاليم يمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي، بما قد يتحدى التوازنات التقليدية التي ترعاها الولايات المتحدة.
تراجع الثقة بالمظلة الأميركية
غير أن سامي حمدي، المدير التنفيذي لشركة "ذا إنترناشونال إنترست" اللندنية، يرى أن اندفاع السعودية نحو هذه الاتفاقات الدفاعية يرتبط أساسًا بتراجع الثقة في الالتزامات الأمنية الأميركية.
وقال حمدي، في حديث لـدويتشه فيله، إن "هناك شعورًا متناميًا في المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا يمكن الاعتماد عليه"، مستشهدًا بعدم الرد الأميركي على الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية سعودية عام 2019، وكذلك الهجوم الإسرائيلي على قيادة حركة حماس في الدوحة عام 2025.
السعودية والإمارات: تنافس مكتوم
وسلّط التقرير الضوء على تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات، لا سيما بعد غارات سعودية استهدفت في ديسمبر الماضي معسكرًا لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي في محافظة حضرموت اليمنية.
كما أشار إلى تقارير عن عرض سعودي لترتيب صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار بين باكستان والسودان لدعم الجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع، التي تُتهم الإمارات بتزويدها بالسلاح، وهو ما تنفيه أبوظبي.
في المقابل، مضت الإمارات في تعزيز شراكاتها الدفاعية والاقتصادية بعيدًا عن الرياض، عبر توقيع اتفاق شامل مع الهند، الخصم التقليدي لباكستان، ما جعل نيودلهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال من أبوظبي وشريكًا محوريًا لها في التعاون النووي.
ويرى حمدي أن الاتفاق الإماراتي–الهندي "يحمل رسالة سياسية بقدر ما هو تعاون عسكري"، مفادها أن أبوظبي، رغم صغر حجمها الجغرافي، لا تزال لاعبًا دوليًا مؤثرًا في مواجهة الثقل السعودي المتنامي.
توتر بلا قطيعة
ورغم هذه التباينات، تستبعد سينزيا بيانكو، الباحثة في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، حدوث قطيعة حقيقية بين الرياض وأبوظبي، مشيرة إلى أن البلدين يشتركان في "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كما لفتت إلى أن تركيا، الشريك الأمني المحتمل للسعودية، تحافظ في الوقت ذاته على علاقات وثيقة مع الإمارات، ما يقلل من احتمالات تصدع عميق داخل المعسكر الخليجي.
وخلص التقرير إلى أن الحديث عن "ناتو إسلامي" قد يكون مبالغًا فيه، إذ إن هذه الصفقات، بحسب حمدي، "تتعلق في جوهرها بنقل التكنولوجيا العسكرية والسعي إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية"، أكثر من كونها تحالفًا عسكريًا صلبًا يعيد تشكيل النظام الأمني العالمي.