حذّرت الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح من قيام الأفراد بجمع التبرعات أو تحويل أموال لصالح الغير عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن مثل هذه الممارسات قد تضع أصحابها تحت طائلة المساءلة القانونية حتى وإن كانت بدوافع إنسانية.
وجاء التحذير ضمن الحملة الرقمية "افهمها صح"، حيث أوضح المستشار القانوني في الأمانة العامة، عبدالله الحربي، أن مبادرات فردية تتزايد عادة في شهر رمضان، مثل إنشاء مجموعات عبر تطبيق "واتس أب" لجمع مبالغ مالية لمساعدة محتاجين، قد تُعد مخالفة صريحة للتشريعات النافذة، ما يعرّض القائمين عليها للاستدعاء والتحقيق بشأن مصادر الأموال وآلية جمعها وأوجه صرفها
وأكد أن جمع التبرعات يخضع لأطر قانونية واضحة، ولا يجوز ممارسته بصورة فردية أو عشوائية، داعياً إلى قصر التبرعات على الجهات المرخصة رسمياً، والامتناع عن إنشاء مجموعات أو استلام أموال دون تصريح مسبق من الجهات المختصة.
ويستند هذا التحذير إلى القانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2021 بشأن تنظيم التبرعات، الذي يحظر إقامة أو تنظيم أي نشاط لجمع التبرعات دون تصريح من السلطة المختصة، كما يجرّم الدعوة أو الترويج لجمع التبرعات عبر الوسائل الإلكترونية دون ترخيص.
كذلك تنص المادة (46) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على عقوبات بالحبس والغرامة بحق من ينشئ أو يدير موقعاً أو ينشر معلومات للدعوة إلى جمع التبرعات دون ترخيص.
كما أشار الحربي إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025 بشأن مواجهة جرائم غسل الأموال، والذي يجرّم تحويل أو نقل أموال متحصلة من جريمة بقصد الإخفاء أو التمويه، مؤكداً أن المسؤولية قد تمتد إلى من يسمح للغير باستخدام حسابه إذا توفرت قرائن على إساءة استخدامه.
غير أن هذه التحذيرات، التي تؤكد الجهات الرسمية أنها تهدف إلى حماية المجتمع من مخاطر الاستغلال المالي، تأتي في سياق تشريعي أوسع فرض قيوداً مشددة على العمل الإنساني والتطوعي خلال السنوات الماضية. فقد أدى تشديد القوانين والاشتراطات التنظيمية إلى تعقيد إجراءات تأسيس الجمعيات الأهلية، وحصر قنوات التبرع ضمن نطاق ضيق من المؤسسات المرخصة، ما دفع كثيرين إلى العزوف عن المبادرات الفردية خشية الوقوع تحت طائلة المساءلة.
وخلال العقد الماضي جرى اعتقال عدد من خبراء التطوع والإغاثة والعمل الخيري الإماراتيين، الذين كانوا يقومون بالأدوار الاجتماعية والتثقيف في مجال العمل الخيري؛ مما أفقد العمل التطوعي رموزاً بارزين من خيرة أبناء المجتمع، مثل "عبدالرحمن بن صبيح السويدي" أحد أبرز مؤسسي مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الإغاثية والإنسانية، (أفرج عنه لكنه تحت الإقامة الجبرية. و "محمد الشيبة النعيمي"، مدير جمعية الإرشاد والتوجيه الاجتماعي، ولا يزال رهن الاعتقال في سجن الرزين سيئ الصيت.
ودفعت القيوم القيود والعقوبات التي تفرضها القوانين على الجمعيات الإنسانية والعمل التطوعي في الدولة الكثيرين للعزوف عن العمل الخير أو التبرع، أو تقديم المساعدة؛ لأن المواد الفضفاضة والاشتراطات المعقدة، كما قد تتسبب بالزج بالمتطوع والعامل في المجال الإنساني والخيري إلى السجن في وقت كان يريد فيه تقديم يد العون والمساعدة.
ويشير مراقبون إلى أن تجريم الدعوات الفردية للتبرع، والتحذير من تحويل الأموال حتى في الحالات الإنسانية البسيطة، يعمّق مناخ الحذر والخوف داخل المجتمع، ويجعل العمل الخيري محاطاً بهواجس قانونية، خاصة في ظل نصوص توصف بالفضفاضة وتوسّع دائرة الاشتباه.
وأشاروا إلى أن السياسات الحكومية والقيود القانونية التي فرضتها على العمل الخيري والتطوعي أدت إلى تراجعه في الدولة، وبه يتراجع تكافل المجتمع وتقاربه الوطني، في وقت اشتدت الحاجة إليه مع ارتفاع تكاليف المعيشة؛ مشددين على ضرورة إجراء إصلاحات سريعة ومتناسبة على هذه القوانين، وجعلها أكثر ديناميكية وقبولاً للعمل الإنساني، وتسهيلاً للعمل التطوعي في الدولة، وزيادة الخطط اللازمة لزيادة التثقيف التطوعي.