يشكّل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ليس فقط لكونه شرياناً رئيسياً لتدفق الطاقة، بل أيضاً لكونه نقطة تقاطع معقّدة بين اعتبارات السيادة الوطنية ومتطلبات القانون الدولي؛ ففي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، عاد المضيق إلى واجهة النقاش بوصفه ساحة اختبار حقيقية لقدرة القواعد القانونية على تنظيم المصالح المتضاربة.

وقدم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قراءة تحليلية معمّقة في النظام القانوني الذي يحكم الملاحة في المضيق، مع التركيز على مفهوم "المرور العابر" وحدود توظيفه سياسياً.

تسعى الدراسة، التي تحمل عنوان: "مضيق هرمز بين سيادة الدولة ووظيفة القانون الدولي: قراءة في نظام المرور العابر وحدود توظيفه السياسي"، إلى تفكيك الإشكالية الأساسية المرتبطة بطبيعة النظام القانوني الذي يحكم المضيق، خاصة في ظل التوترات المتكررة التي شهدها خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى أزمة 2026 التي أدت إلى تعطّل شبه كامل لحركة الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وتطرح الدراسة سؤالاً محورياً: هل يخضع مضيق هرمز لنظام "المرور العابر" الذي يضمن حرية الملاحة، أم يمكن للدول الساحلية إعادة تأطيره ضمن "المرور البريء" بما يمنحها سلطة أوسع في التحكم بالعبور؟

مضيق استراتيجي حاسم

يتميّز مضيق هرمز بخصائص جغرافية فريدة تجعله ممراً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه. فالمضيق ضيق نسبياً، وتغطي مياهه الإقليمية كامل عرضه تقريباً نتيجة تداخل الحدود البحرية لكل من إيران وسلطنة عمان. هذا الواقع يخلق وضعاً قانونياً معقداً، حيث تخضع الملاحة شكلياً لسيادة الدولتين، لكنها عملياً تظل محكومة بوظيفته الدولية كممر حيوي للتجارة العالمية.

كما أن الكثافة العالية لحركة السفن، خاصة ناقلات النفط العملاقة، فرضت اعتماد ترتيبات تقنية دقيقة لتنظيم الملاحة، مثل نظام فصل المسارات، الذي يهدف إلى تقليل مخاطر التصادم وضمان انسيابية الحركة، إلا أن هذه الترتيبات، رغم طابعها الفني، لا تخلو من أبعاد قانونية، خاصة عند استخدامها لتبرير تقييد حركة العبور، بحسب الدراسة.

إضافة إلى ذلك، فإن الموقع الجغرافي للمضيق يجعله عرضة للتأثر المباشر بالتوترات الإقليمية، حيث يتحول من ممر تجاري إلى أداة ضغط استراتيجية في أوقات الأزمات. فكل اضطراب أمني أو سياسي في محيطه ينعكس فوراً على حركة الملاحة وأسعار الطاقة عالمياً، وهو ما يمنح الدول المشاطئة، خصوصاً إيران، هامشاً لاستخدامه كورقة نفوذ في مواجهة القوى الدولية. وبذلك، لا تقتصر أهمية المضيق على كونه معبراً بحرياً، بل تتجاوز ذلك ليصبح عنصراً فاعلاً في معادلات الردع والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

المرور العابر أم البريء؟

يشكّل التمييز بين نظامي "المرور العابر" و"المرور البريء" جوهر الخلاف القانوني حول المضيق. فالأول، الذي أقرته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمنح جميع السفن والطائرات حق العبور دون تعطيل أو إذن مسبق، باعتباره حقاً دولياً يهدف إلى حماية انسياب التجارة العالمية. أما الثاني، فيخضع لسلطة الدولة الساحلية التي يمكنها تقييده أو تنظيمه وفق اعتبارات الأمن والسيادة.

غالبية الدول البحرية تعتبر أن مضيق هرمز يخضع لنظام المرور العابر، نظراً لكونه ممراً دولياً يربط بين مسطحات بحرية مفتوحة. في المقابل، تتبنى إيران مقاربة مختلفة، تنكر فيها الطابع العرفي للمرور العابر، وتعتبره التزاماً تعاقدياً يقتصر على الدول الموقعة على الاتفاقية، ما يتيح لها فرض قيود مثل الإذن المسبق أو تعليق المرور في بعض الحالات.

هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف قانوني، بل يعكس صراعاً أعمق بين تصورين للنظام الدولي: أحدهما يقدّم حرية الملاحة كقاعدة أساسية، والآخر يضع السيادة الوطنية في موقع الأولوية.

التوظيف السياسي للقانون

تكشف الدراسة أن القانون الدولي في مضيق هرمز لا يُستخدم فقط كإطار تنظيمي، بل يتحول أحياناً إلى أداة سياسية. فالغموض في بعض قواعده، خاصة فيما يتعلق بتفسير نظام المرور، يفتح المجال أمام الدول لإعادة تأويل النصوص بما يخدم مصالحها.

يتجلى ذلك في ما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، حيث تقع ممارسات لا يمكن تصنيفها بوضوح كقانونية أو غير قانونية، مثل احتجاز السفن أو فرض قيود إجرائية على المرور تحت مبررات أمنية أو بيئية. هذه الممارسات لا تنتهك القانون بشكل صريح، لكنها تؤدي عملياً إلى تقييد حرية الملاحة.

كما يمتد هذا النمط إلى مجالات أخرى، مثل استخدام القوة أو فرض العقوبات، حيث تلجأ الدول إلى تفسيرات مرنة للقانون لتبرير إجراءاتها دون الخروج العلني عن قواعده. ويعكس ذلك تحوّل القانون الدولي من منظومة قواعد ثابتة إلى مجال مفتوح للتأويل والتوظيف الاستراتيجي.

بين السيادة والوظيفة الدولية

تُظهر المقارنة بين مضيق هرمز والمضائق التركية أن النظام القانوني للمضائق ليس موحداً، بل يتأثر بالسياقات التاريخية والسياسية. ففي حين يخضع هرمز لنموذج "التدويل الوظيفي" الذي يقيّد السيادة لصالح حرية الملاحة، تخضع المضائق التركية لنظام تعاقدي خاص يسمح بفرض رسوم وتنظيم أكثر مرونة.

هذا التباين يبرز مرونة القانون الدولي، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة قد تؤدي إلى توترات، خاصة في المناطق ذات الحساسية الجيوسياسية العالية مثل الخليج العربي.

وتخلص الدراسة إلى أن ما يحدث في مضيق هرمز لا يمثل استثناءً عن القواعد القانونية، بقدر ما يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرتها على الصمود أمام الضغوط السياسية. فالمضيق، رغم خضوعه الشكلي لسيادة الدول الساحلية، يظل ممراً دولياً لا يمكن إخضاعه بالكامل لمنطق السيادة الضيقة.

غير أن استمرار الغموض في تفسير قواعد القانون الدولي، إلى جانب التباين في الممارسات، يهدد بتحويل هذا الممر الحيوي إلى ساحة صراع قانوني وسياسي مفتوح. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز التوافق الدولي حول قواعد الملاحة، وتحديد حدود صلاحيات الدول الساحلية بشكل أوضح، بما يضمن التوازن بين الأمن الإقليمي وحرية التجارة العالمية.

يبقى مضيق هرمز نموذجاً مكثفاً لتعقيدات النظام الدولي، حيث لا تنفصل القواعد القانونية عن حسابات القوة، ولا يمكن فهم أحدهما دون الآخر.