قالت صحيفة "معاريف" العبرية، اليوم الجمعة، إن انسحاب الإمارات من تحالف "أوبك+" لا يمثل مجرد قطيعة اقتصادية مع الرياض، بل يشكل "إعلان استقلال استراتيجي" تعود أبرز ثماره على "إسرائيل" التي ستكون المستفيد الأكبر من هذه الخطوة، سواء عبر تأمين إمدادات نفطية مباشرة بأسعار مخفضة، أو فتح ممر بري يلتف على مضيق هرمز وقناة السويس، أو توجيه ضربة قاسية للنفوذ الاقتصادي الإيراني في المنطقة.
وأوضح المحللان البروفيسور يئير زيمون وعودي سورير، في تحليل مطول، أن انسحاب أبوظبي – ثالث أكبر منتج في المنظمة – يمنح "إسرائيل" فرصة تاريخية لتعزيز أمنها الطاقي، إذ تتيح اتفاقات إبراهيم لإسرائيل إبرام صفقات توريد مباشرة مع الإمارات خارج إطار الكارتل النفطي، كما يعيد تفعيل خط أنبوب إيلات-عسقلان والممر البري إلى المتوسط كبديل استراتيجي ينقل النفط الخليجي إلى أوروبا عبر الأراضي الإسرائيلية، متجاوزاً الأخطار الجيوسياسية في مضيق هرمز.
ولفت المحللان إلى أن انهيار هيكل "أوبك+" سيخلق ضغطاً لخفض الأسعار على المدى البعيد، ما يخفف غلاء المعيشة في إسرائيل، بينما يمثل إضعاف المنظمة ضربة مباشرة لقدرة إيران على التأثير في سياسات دول الخليج، قبل أن يخلصا إلى أن "إسرائيل" أمام تحدٍ قصير المدى يتمثل في ارتفاع الأسعار عقب الحرب، لكنها أمام فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية".
وقال المحللان إن عبارة "النظام العالمي القديم مات" وجدت معناها المتجدد في إعلان الإمارات الانسحاب من "أوبك+" بعد عشرات السنين من العضوية، واصفين القرار بأنه ليس اقتصادياً-فنياً فحسب، بل "إعلان استقلال استراتيجي يغير قواعد اللعب في سوق النقد، ويعيد تصميم ميزان القوى في الشرق الأوسط".
لفت التحليل إلى أن تحالف "أوبك+" كان يسيطر حتى وقت قصير على نحو 59% من الإنتاج النفطي العالمي، مما سمح له بإملاء الأسعار من خلال تنسيق تخفيض أو زيادة الإنتاج. وتأسست منظمة "أوبك" الأصلية في 14 سبتمبر/أيلول 1960 بمبادرة من إيران والعراق والكويت والسعودية وفنزويلا، وانضمت الإمارات عام 1967، ويتخذ مقرها المركزي من فيينا.
واستعرضا المقاطعة النفطية التاريخية التي قادتها السعودية عقب حرب يوم الغفران عام 1973، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط أربعة أضعاف وتسببت بركود عالمي عميق، غيرت مفهوم أمن الطاقة في الغرب وأدت إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية.
الصراع الخفي بين أبوظبي والرياض
أوضح المحللان أن الانسحاب الإماراتي لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل جاء بعد عقد من الاستثمارات الضخمة التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، رفعت قدرة الإنتاج الإماراتي إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، لكن القيود التي فرضها تحالف "أوبك+" أجبرتها على إنتاج أقل بكثير مما تستطيع، مما أثر على مردود الاستثمار وقدرتها على تمويل رؤية "اقتصاد المستقبل".
في المقابل، سعت السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان إلى الإبقاء على أسعار مرتفعة (تفوق 90 دولاراً للبرميل) لتمويل مشاريعها الطموحة، بينما دفعت الإمارات نحو استراتيجية "البيع بأكبر قدر ممكن ما دام النفط مهماً"، انطلاقاً من فهمها أن عصر الطاقة الخضراء يقترب.
كما أشارا إلى أن التوتر الأمني مع إيران والإغلاقات المتكررة لمضيق هرمز دفعت الإمارات إلى ضرورة امتلاك يد حرة للتوقيع على اتفاقات توريد ذاتي مع المستهلكين في الغرب والشرق الأقصى، دون القيود التي تفرضها مصالح روسيا أو إيران داخل المنظمة.
تداعيات الانسحاب
وفقاً للتحليل، فإن انسحاب الإمارات سيخلق "رصاصة بداية لمنافسة عنيفة"، إذ من المتوقع أن تضخ أبوظبي نحو مليون برميل إضافي يومياً في المدى القصير، ما قد يدفع السعودية وروسيا إلى "إغراق مضاد" للحفاظ على حصتهما في السوق، مما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار كما حدث عامي 2014 و2020.
وحذر المحللان من أن دولاً أخرى مثل العراق وكازاخستان، التي تعاني من قيود الإنتاج التي تفرضها السعودية، قد تحذو حذو الإمارات، مما قد يؤدي إلى تفكك "أوبك+" بالكامل، وعندها سيتحول النفط من بضاعة تسيطر عليها السياسة إلى بضاعة يقررها العرض والطلب فقط، مما سيؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار.
وأشار المحللان إلى أن "إسرائيل" تعتمد بشكل أساسي على استيراد النفط الخام من أذربيجان وكازاخستان ونيجيريا والبرازيل، وأن ارتفاع الأسعار عقب الحرب والهزة التي أصابت "أوبك+" أصبح ملموساً في جيب كل إسرائيلي في محطة الوقود منذ أول مايو الجاري.
لكنهما أكدا أن هذه الزيادة قصيرة المدى، وأن استفادة إسرائيل على المدى البعيد ستكون أكبر، إذ ستتمتع بأسعار مستقرة ومنخفضة نسبياً، مما يقلص غلاء المعيشة. كما أن اتفاقات إبراهيم تخلق فرصة لإسرائيل لعقد اتفاقات توريد بعيدة المدى مباشرة مع الإمارات دون "وساطة" كارتل النفط، وهو ما وصفاه بـ"الذخر الاستراتيجي من الدرجة الأولى".
ممر بري يلتف على هرمز وقناة السويس
في جانب آخر، رأى المحللان أن خط أنبوب إيلات-عسقلان والممر البري إلى البحر المتوسط يصبحان أكثر جاذبية بعد انسحاب الإمارات من "أوبك+"، حيث يسمحان بنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل إلى أوروبا، ملتفين على قناة السويس ومضيق هرمز، وهما نقطتا عبور حيويتان تعانيان من مخاطر جيوسياسية وأمنية متزايدة.
ضربة للنفوذ الإيراني
خلص المحللان إلى أن "أوبك+" كانت أحد الأماكن القليلة التي تمكن إيران من خلالها التأثير على سياسات دول الخليج، وبالتالي فإن إضعاف المنظمة يُعد ضربة مباشرة لقدرة طهران على النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
واختتما تحليلهما بالقول: "إن انسحاب الإمارات من 'أوبك+' ليس أقل من انهيار مفهوم عمره 50 سنة. إنه انتقال من عالم الكارتيلات المركزية إلى عالم المنافسة الحرة، وسط حرب إقليمية. بالنسبة لـ"إسرائيل"، هذا تحدٍ لإدارة الأسعار في المدى القصير، لكنه فرصة هائلة لتثبيت مكانتها الطاقية والسياسية حيال شريك قرر المراهنة على المستقبل".