تمر ثلاثة أعوام على رحيل الإعلامي والخبير الاجتماعي الإماراتي الدكتور جمال بن عبيد البح، الذي غادر الحياة في 16 مايو 2023 بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل المجتمعي والتطوعي، تاركاً إرثاً واسعاً في مجالات الأسرة والتنمية الاجتماعية والمسؤولية المجتمعية، جعل اسمه حاضراً في ذاكرة المؤسسات والأوساط الاجتماعية والإعلامية التي عاصرته.
ويُعد الدكتور جمال البح أحد الشخصيات الإماراتية التي كرّست سنوات طويلة من حياتها لخدمة المجتمع وقضايا الأسرة، حيث جمع بين العمل الحكومي والتطوعي والإعلامي، وتولى عدداً من المناصب التي ارتبطت بالشأن الاجتماعي والأسري على المستويين المحلي والعربي.
ولد الفقيد في إمارة الشارقة عام 1963، ونشأ في بيئة جعلت من خدمة المجتمع والعمل العام جزءاً من اهتماماته المبكرة. وخلال مسيرته المهنية، تنقل بين عدد من المواقع التي أسهم من خلالها في تعزيز المبادرات المجتمعية ودعم قضايا الأسرة، حتى أصبح من أبرز الوجوه الإماراتية المرتبطة بهذا المجال.
وشغل الدكتور جمال البح منصب مدير عام صندوق الزواج سابقاً بدرجة وكيل وزارة، كما ترأس منظمة الأسرة العربية، وحمل صفة سفير المسؤولية المجتمعية، إضافة إلى رئاسته لجمعية الاجتماعيين في دولة الإمارات، وهي مواقع عكست اهتمامه المستمر بقضايا التنمية الاجتماعية وترابط الأسرة وتعزيز قيم التكافل المجتمعي.
ومن أبرز المحطات المهنية في حياته قيادته لمؤسسة صندوق الزواج خلال الفترة بين عامي 1993 و2005، فضلاً عن عضويته في مجلس إدارة الصندوق منذ مراحل التأسيس الأولى، وهي تجربة ارتبطت بدعم استقرار الأسرة وتعزيز قيم الزواج في المجتمع الإماراتي.
كما امتدت مساهماته إلى الساحة العربية والدولية، حيث شغل عضوية المكتب التنفيذي للمنظمة العالمية للأسرة بين عامي 2001 و2006، وشارك في اللجنة القانونية والإعلامية للمنظمة ذاتها، إلى جانب عضويته في مجلس إدارة منظمة الفيدرالية الدولية لتوعية الأولياء، ما أتاح له الإسهام في العديد من القضايا المرتبطة بالأسرة والتوعية المجتمعية.
وقبل انتقاله إلى العمل الاجتماعي المؤسسي، كانت له تجربة إعلامية طويلة بدأت من إذاعة وتلفزيون الشارقة، حيث عمل مديراً لإدارة البرامج الخاصة في تلفزيون الشارقة خلال الفترة من 1978 إلى 1993، وأسهم في تقديم العديد من البرامج والأنشطة الإعلامية، قبل أن ينتقل إلى مواقع قيادية في العمل الاجتماعي.
كما شارك بصورة تطوعية في عدد من المبادرات المجتمعية، ومن بينها عمله منسقاً عاماً للجنة الزواج في إمارة الشارقة بين عامي 1990 و1993، في تجربة عكست اهتمامه المبكر بدعم قضايا الأسرة والشباب.
على الصعيد العلمي، حصل الدكتور جمال البح على درجة البكالوريوس في الآداب تخصص علم الاجتماع والإعلام من جامعة الإمارات العربية المتحدة للعام الدراسي 1986 ـ 1987، كما حصل على دبلوم في الهندسة النفسية من بريطانيا، وهو ما أسهم في تشكيل رؤيته المهنية والاجتماعية خلال مسيرته العملية.
وظل الدكتور جمال البح وفياً للقضايا الأسرية التي كرّس لها جانباً كبيراً من مسيرته المهنية، حتى آخر يوم في حياته؛ ففي آخر تغريدة نشرها، تطرق إلى الجدل المرتبط بالاحتفال بيوم الأسرة العالمي في 15 مايو، مشيراً إلى أن المجموعة العربية والوزراء العرب كان لهم موقف سابق من اختيار هذا التاريخ لتزامنه مع ذكرى النكبة الفلسطينية. واستعرض جهود منظمة الأسرة العربية في ثمانينيات القرن الماضي للاعتراض على هذا الموعد لدى الأمم المتحدة، وتقديم مذكرة إلى جامعة الدول العربية، انتهت إلى إقرار تخصيص السابع من ديسمبر يوماً للأسرة العربية، وهو التاريخ الذي يتزامن مع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية. وختم تغريدته متسائلاً حول أولوية الاحتفاء بيوم الأسرة العالمي أم يوم الأسرة العربي، في رسالة عكست استمرار انشغاله بقضايا الأسرة العربية حتى ساعات قليلة قبل رحيله.
وكانت آخر كلماته المنشورة عبر حسابه تتعلق بالدعاء للميت وفضل الاستغفار والرحمة، حيث استشهد بدعاء نبوي شريف يُتلى في صلاة الجنازة، في مصادفة مؤثرة استحضرتها الأوساط الاجتماعية والإعلامية عقب إعلان وفاته.
وأحدث نبأ رحيل الدكتور جمال البح في مايو 2023 حالة واسعة من الحزن بين زملائه ومعارفه والعاملين في المجالات الاجتماعية والإعلامية، الذين استعادوا مسيرته الطويلة ومواقفه الإنسانية وأدواره المجتمعية، مؤكدين ما عُرف عنه من حرص على خدمة الآخرين ومساندة المحتاجين وتبني المبادرات ذات البعد الإنساني والاجتماعي.
وبعد مرور ثلاثة أعوام على رحيله، لا يزال اسم الدكتور جمال بن عبيد البح مرتبطاً بالعمل الأسري والاجتماعي في الإمارات، باعتباره أحد الشخصيات التي سخّرت خبرتها ومناصبها لخدمة المجتمع، وأسهمت في ترسيخ مفاهيم المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي، تاركاً بصمةً ما زالت حاضرة في المؤسسات والمبادرات التي شارك في بنائها ودعمها على امتداد سنوات عطائه.