في المشهدين الاقتصادي والسياسي لدولة الإمارات، يبرز اسم رجل الأعمال خلف أحمد الحبتور كأحد أكثر الشخصيات تأثيراً وحضوراً في النقاش العام، إذ لم يقتصر دوره على بناء إمبراطورية اقتصادية، بل امتد ليشمل إبداء مواقف سياسية لافتة شهدت تحولات واضحة خلال السنوات الأخيرة.
فالرجل الذي أسس مسيرته من موقع متواضع في قطاع الإنشاءات، نجح منذ عام 1970 في بناء “مجموعة الحبتور”، التي تحولت مع قيام دولة الإمارات إلى واحدة من أبرز الكيانات الاستثمارية العاملة في قطاعات متعددة، ما عزز من حضوره كشخصية اقتصادية مؤثرة، وفتح أمامه المجال للمشاركة في النقاشات العامة.
ورغم عدم توليه مناصب سياسية رسمية، برز الحبتور كصوت حاضر في القضايا الإقليمية والدولية، من خلال مقالاته وتصريحاته التي تناولت ملفات حساسة، من بينها علاقات التطبيع العربية مع الاحتلال الإسرائيلي، والتوترات في منطقة الخليج وما تلاها من حرب أمريكية إسرائيلية على إيران ألقت بتداعياتها على دول الخليج حتى الآن.
مسيرة اقتصادية صنعت النفوذ
بدأ خلف الحبتور رحلته المهنية من موقع متواضع كموظف في شركة إنشاءات محلية، قبل أن يؤسس عام 1970 شركته الخاصة التي شكلت النواة الأولى لـ"مجموعة الحبتور".
ومع قيام دولة الإمارات عام 1971، تزامن صعوده مع مرحلة التحولات الكبرى في الدولة، ليصبح لاحقاً أحد أبرز رموز النهضة الاقتصادية.
تحولت المجموعة من شركة صغيرة إلى كيان استثماري ضخم يعمل في قطاعات متعددة تشمل الضيافة والعقارات والسيارات والتعليم، مع حضور إقليمي ودولي واسع.
وقد أسهم هذا النجاح في ترسيخ مكانة الحبتور كشخصية اقتصادية مؤثرة، وفتح له أبواب التأثير في النقاشات العامة والسياسات غير الرسمية.
من الدعوة للتطبيع إلى التراجع عنها
وبين مسيرته الاقتصادية البارزة، وبين مواقفة السياسية التي شهدت تحولا كبيرا؛ موقفه من التطبيع مع "إسرائيل"؛ إحدى أبرز محطات حضوره السياسي المثيرة للجدل، إذ كان من أوائل الداعين إلى إقامة علاقات طبيعية معها قبل توقيع الاتفاقيات عام 2020، معتبراً أن التعاون الاقتصادي والسياسي خيار واقعي يخدم استقرار المنطقة.
إلا أن هذا الموقف شهد تحولاً ملحوظاً في السنوات اللاحقة، حيث اتجه الحبتور إلى انتقاد السياسات الإسرائيلية، لا سيما خلال العدوان الإسرائيلي ومجازر الإبادة في غزة، داعياً إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية جماعية للضغط عليها، من بينها إغلاق الأجواء العربية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تؤثر على اقتصادها.
ويعكس هذا التحول انتقالاً في خطابه من الترويج للتطبيع إلى تبني لهجة أكثر انتقاداً، في ضوء التطورات الميدانية والسياسية في المنطقة، وهي مواقف لاقت ترحيبا شعبيا على مستوى الخليج والوطن العربي.
وفي مواقف لاحقة خصوصا مع العدوان الإسرائيلي على الدوحة، دعا الحبتور إلى اتخاذ خطوات عربية أكثر حزماً، من بينها إعادة النظر في الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية مع الدول الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، منتقداً الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية التقليدية.
انتقادات مباشرة لواشنطن رغم التحالف
وفي سياق متصل، امتدت مواقفه النقدية إلى السياسات الأمريكية، حيث وجّه انتقادات مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متسائلاً عن دوافع التصعيد العسكري مع إيران، ومحذراً من تداعياته على استقرار المنطقة.
كما عبّر عن رفضه دعوات إشراك دول الخليج في أي مواجهة عسكرية، مؤكداً أن المنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة صراع تخدم مصالح أطراف أخرى، ومشدداً على أن كلفة مثل هذه الحروب ستقع أولاً على دولها.
ولم يتوقف عند ذلك، بل لمح إلى أن بعض السياسات الأمريكية تخدم مصالح "إسرائيل" على حساب استقرار المنطقة، وهو طرح،لافت حين يصدر عن رجل أعمال إماراتي بارز .
وقد خاطب ترامب في احدى منشوراته: "من أعطاك القرار لزجّ منطقتنا في حرب مع إيران؟ وعلى أي أساس اتخذت هذا القرار الخطير؟".
وفي رد على دعوات أمريكية لمشاركة خليجية في أي تصعيد محتمل، أشار الحبتور إلى أن دول المنطقة تدرك جيداً تبعات هذه الصراعات، ولن تنخرط في مواجهات لا تخدم مصالحها، لافتاً إلى أن صفقات السلاح لا يمكن اعتبارها دعماً بقدر ما هي مصالح متبادلة.
وقال رداً على السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بعد دعوة الأخير إلى ضرورة مشاركة السعودية والإمارات في الحرب ضد إيران قال الحبتور في رد مطول إن دول الخليج ترفض أن تكون "وقودا" في صراع يخدم مصالح الآخرين.
وتابع مخاطبا السيناتور الجمهوري: "أقول له بوضوح: نحن نعرف تمامًا لماذا نتعرض للضرب، ونعرف أيضًا من أدخل المنطقة كلها في هذا التصعيد الخطير دون أن يستشير من يسميهم 'حلفاءه' في المنطقة".
وأضاف قبل أن يحذف منشوره لاحقا: "لن ندخل هذه الحرب لنخدم مصالح الآخرين، ولن نضحي بأبنائنا في صراع كان يمكن تجنبه بالدبلوماسية... إذا كان الرئيس دونالد ترامب والسيناتور غراهام مستعدين للمخاطرة ببلدهم وبأرواح الأمريكيين من أجل مصالح إسرائيل، فهذا خيارهم هم. أما نحن فلن نفعل الشيء نفسه".
وأشار الحبتور إلى أن صفقات السلاح الأمريكية ليست "فضلاً"، بل تجارة مربحة للولايات المتحدة، واستشهد بتصريحات غراهام السابقة حول النفط الإيراني والفنزويلي، معتبرًا أنها تكشف الدوافع الحقيقية وراء الدعوة للحرب، بما في ذلك السيطرة على موارد الطاقة وإضعاف منافسين مثل الصين، وتغيير النظام في إيران لصالح "شرق أوسط جديد" يعود بالربح على أمريكا.
ويضع مراقبون هذه المواقف ضمن سياق براغماتي يعكس تفاعل رجال الأعمال مع المتغيرات السياسية، إلا أن مسار الحبتور يبرز بشكل خاص كحالة انتقال من خطاب داعم للتطبيع إلى خطاب أكثر انتقاداً وتحفظاً تجاه "إسرائيل"، في ضوء التحولات الإقليمية وهي تحولات لاقت تفاعلا كبيراً في الأوساط الشعبية الخليجية والعربية.
ويبقى الحبتور نموذجاً لشخصية تجمع بين النفوذ الاقتصادي والحضور السياسي غير الرسمي، في وقت تتزايد فيه أهمية هذا النوع من الفاعلين في تشكيل النقاش العام، وصوتاً يعكس في بعض الأحيان وجهات نظر شريحة كبيرة من المواطنين في الخليج والعالم العربي، بعد اتضاح سياسات واشنطن وتل أبيب، ومحاولات دفع دول المنطقة نحو صراعات بالوكالة لا تبدو دول الخليج معنية بها أو مستفيدة منها.