كشف موقع The Dark Box عن مؤشرات وصفها بأنها تستدعي المتابعة، بعد رصد سلسلة من شحنات البضائع المتكررة بين ميناء الفجيرة الإماراتي ومنشآت عسكرية في مدينة بربرة بأرض الصومال، في تطورات أعادت تسليط الضوء على أحد أكثر المواقع حساسية على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن.

وبحسب الموقع، فإن صور الأقمار الصناعية وسجلات حركة السفن وعمليات البناء الجارية تشير إلى تصاعد ملحوظ في النشاط اللوجستي المرتبط بالمنشآت العسكرية في بربرة، ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الشحنات المنقولة والأهداف الكامنة وراء التوسع المتواصل في البنية التحتية العسكرية هناك.

وتكتسب بربرة أهمية استثنائية بسبب موقعها المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الأمر الذي يجعل أي تحركات عسكرية أو لوجستية في المنطقة ذات انعكاسات تتجاوز حدود أرض الصومال لتشمل أمن البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي والشرق الأوسط.

لماذا تتزايد الرحلات؟

أشار تقرير The Dark Box إلى أن صور الأقمار الصناعية الملتقطة في الخامس من يونيو أظهرت سفينة شحن داخل الجزء العسكري من ميناء بربرة. ووفقاً لبيانات تتبع الملاحة البحرية، كانت السفينة قد غادرت ميناء الفجيرة في أواخر مايو قبل أن تصل إلى بربرة وتغادرها بعد نحو يوم واحد فقط.

كما أظهرت بيانات التتبع أن السفينة نفسها نفذت رحلات عدة إلى بربرة خلال الأشهر الماضية، فيما وصلت سفينة شحن ثانية من الفجيرة في الرابع من يونيو، أي قبل يوم واحد من وصول السفينة الأولى، قبل أن تعود بدورها إلى الإمارات بعد تفريغ حمولتها.

ويؤكد الموقع أن السفن المعنية لا تنتمي إلى فئة سفن الحاويات التجارية التقليدية، بل تندرج ضمن سفن الشحن الثقيل القادرة على نقل معدات كبيرة ومركبات وآليات هندسية وأنظمة دعم لوجستي أو عسكري. ومع ذلك، لا تتوافر معلومات مؤكدة بشأن طبيعة الشحنات التي تم تفريغها في الميناء.

ويرى التقرير أن تكرار الرحلات وسرعة عمليات التفريغ والمغادرة يوحيان بوجود نشاط لوجستي متخصص، أكثر من كونه حركة تجارية اعتيادية.

ويكتسب هذا النشاط أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ يشير التقرير إلى أن ميناء بربرة العسكري شهد خلال السنوات الماضية حركة محدودة نسبياً، قبل أن يتغير المشهد بشكل واضح منذ أواخر عام 2025 ومطلع 2026 مع تزايد وصول سفن الشحن القادمة من الإمارات.

ما وراء التوسعات؟

لا يقتصر الأمر، وفقاً لـ The Dark Box، على حركة السفن فقط، بل يتزامن مع توسعات ملموسة في المنشآت العسكرية المحيطة بالميناء. فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء حظائر جديدة للطائرات وإضافة مرافق دعم وتوسيع البنية التحتية للقاعدة العسكرية المجاورة.

ويرى التقرير أن هذه الأعمال تعكس استثماراً طويل الأمد في القدرات التشغيلية للمنشأة، وليس مجرد ترتيبات لوجستية مؤقتة.

ويأتي ذلك في ظل تحولات متسارعة تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث ازدادت أهمية باب المندب مع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات البحرية والاضطرابات التي تؤثر على حركة التجارة العالمية. وتمنح السيطرة أو التأثير على المنشآت القريبة من المضيق وزناً استراتيجياً كبيراً لأي طرف يمتلك حضوراً هناك.

كما يشير التقرير إلى أن بربرة أصبحت تحظى باهتمام متزايد من أطراف دولية تنظر إليها كموقع مناسب للعمليات اللوجستية والمراقبة البحرية وجمع المعلومات وتعزيز النفوذ الإقليمي.

وفي هذا السياق، يلفت الموقع إلى الدور الإماراتي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث استثمرت أبوظبي خلال السنوات الماضية في موانئ ومنشآت لوجستية وبنى تحتية استراتيجية مختلفة. وبينما تُقدَّم هذه المشاريع عادة في إطار التنمية والتجارة، يرى منتقدون أنها قد تحمل أبعاداً أمنية واستراتيجية أوسع، تجعل من الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية أدوات لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري.

ويؤكد التقرير أن تزامن أربعة عوامل رئيسية ــ وهي استخدام سفن شحن ثقيلة، وسرعة عمليات التفريغ، والتوسع العسكري في بربرة، وتصاعد المنافسة الإقليمية حول الممرات البحرية ــ يبرر تنامي الاهتمام بما يجري في المنطقة.

ومع ذلك، يشدد The Dark Box على أن هذه المعطيات لا تمثل دليلاً مباشراً على وجود عمليات عسكرية سرية أو انتشار عسكري جديد، لكنها تثير أسئلة ما تزال دون إجابات واضحة، من بينها طبيعة المعدات المنقولة، والجهات الممولة للتوسعات، والدور الذي تؤديه الشحنات المتكررة في تطوير القاعدة.

ويخلص التقرير إلى أن بربرة لم تعد مجرد ميناء هادئ على أطراف القرن الأفريقي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز متزايدة الأهمية في معادلة التنافس الجيوسياسي الدائر حول البحر الأحمر، وهو ما يجعل أي تحرك لوجستي أو عسكري فيها محل متابعة دقيقة من المراقبين خلال الفترة المقبلة.