نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تحقيقًا مطولًا تناول ما وصفته بـ"الاندفاع الإمبريالي" للإمارات في أفريقيا، معتبرة أن أبوظبي تحولت خلال العقد الأخير إلى إحدى أكثر القوى الخارجية نفوذًا في القارة، مستندة إلى شبكة واسعة من الاستثمارات في الموانئ والطاقة والزراعة والتعدين، بالتوازي مع حضور أمني وعسكري متنامٍ في عدد من الدول الأفريقية.
ويرى التحقيق أن التوسع الإماراتي، الذي تسارع في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، تجاوز كونه استثمارات اقتصادية، ليصبح مشروعًا جيوسياسيًا يربط بين التجارة والأمن والسيطرة على الموارد وسلاسل الإمداد، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الغربية والأممية لأبوظبي بالانخراط في الصراع السوداني عبر دعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات بشكل متكرر.
السودان.. الذهب والحرب
واستهلت الصحيفة تحقيقها بالحديث عن ما وصفته بأنه واحدة من أكبر عمليات نهب الذهب في التاريخ الحديث، والتي وقعت مع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023.
وبحسب التحقيق، فإن قوات الدعم السريع استولت خلال الأيام الأولى للحرب على مصفاة الذهب الحكومية في الخرطوم، كما اقتحمت البنك المركزي السوداني، حيث سُرق ما لا يقل عن طن ونصف من سبائك الذهب، كانت تقدر قيمتها آنذاك بنحو 100 مليون دولار.
ونقلت الصحيفة عن شاهد عيان وثلاثة مصادر مطلعة قولهم إن جزءًا كبيرًا من الذهب نُقل لاحقًا عبر جنوب السودان، قبل أن يتم شحنه على متن طائرات متجهة إلى الإمارات، في حين أشارت إلى أن أبوظبي تنفي هذه الاتهامات، وأن تفاصيل عملية النقل لا تزال محل جدل.
ووفقًا لأحد المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، فإن "طائرات شحن إماراتية، مدنية وعسكرية، كانت تصل لنقل الذهب"، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشرًا على الدور المحوري الذي تلعبه الإمارات في تجارة الذهب الأفريقي.
مركز مالي للقارة
وترى "فايننشال تايمز" أن الإمارات أصبحت خلال السنوات الماضية المركز المالي والتجاري الخارجي الأبرز للقارة الأفريقية، بعدما ضخت استثمارات ضخمة في قطاعات الموانئ والطاقة المتجددة والزراعة والتعدين، بهدف تأمين احتياجاتها المستقبلية في مرحلة ما بعد النفط.
ويشير التحقيق إلى أن أبوظبي استأجرت ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية لتعزيز أمنها الغذائي، كما حصلت شركات إماراتية على امتيازات تعدين في دول عدة، بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا وموريتانيا ومالي وإثيوبيا، لتأمين المعادن الإستراتيجية اللازمة لقطاعي الصناعة والدفاع.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا التوسع يمثل أحد أبرز التحولات الجيوسياسية التي شهدتها أفريقيا منذ دخول الصين بقوة إلى القارة مطلع الألفية الجديدة.
شبكة موانئ تمتد عبر القارة
ويخصص التحقيق مساحة واسعة للحديث عن الدور الذي تؤديه شركتا "موانئ دبي العالمية" و"موانئ أبوظبي" في توسيع النفوذ الإماراتي.
فوفقًا للصحيفة، تدير موانئ دبي العالمية أو تطور موانئ ومناطق حرة ومحطات لوجستية في 13 دولة أفريقية، بينما ترتبط معظم هذه المشاريع بشبكة تجارية تنتهي في ميناء جبل علي بدبي، الذي يمثل المركز الرئيسي لإعادة التصدير بين أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
وتضيف الصحيفة أن قيمة التجارة غير النفطية بين أفريقيا ودول الخليج تجاوزت 100 مليار دولار، تستحوذ الإمارات والسعودية على النصيب الأكبر منها.
وتنقل عن الباحثة الإيطالية المتخصصة في شؤون الخليج إليونورا أرديماني قولها إن الموانئ الإماراتية أصبحت "أدوات نفوذ تشكل جوهر السياسة الإماراتية تجاه أفريقيا".
استثمارات بمئات المليارات
ويشير التحقيق إلى بيانات قاعدة "fDi Markets"التابعة لصحيفة فايننشال تايمز، والتي تظهر الإعلان عن مشاريع استثمارية إماراتية في أفريقيا تتجاوز قيمتها "168 مليار دولار" منذ عام 2017، رغم أن جزءًا من هذه الأرقام يعكس تعهدات أو نوايا استثمارية أكثر من كونه مشاريع منفذة بالكامل.
وتبرز الصحيفة دور "الشركة العالمية القابضة (IHC)"، برئاسة الشيخ طحنون بن زايد، باعتبارها الأداة الاستثمارية الرئيسية في تنفيذ كثير من هذه المشاريع.
ومن بين أبرز الاستثمارات التي أوردها التحقيق:
مصفاة نفط في أوغندا بقيمة 4 مليارات دولار.
مشروع لطاقة الرياح في مصر بقيمة 10 مليارات دولار.
تطوير ميناء في السنغال بقيمة 1.2 مليار دولار.
مشاريع تعدين في زامبيا والكونغو الديمقراطية وموريتانيا ومالي وإثيوبيا.
ويرى التحقيق أن التوسع الاقتصادي الإماراتي ترافق مع حضور أمني وعسكري متزايد، خاصة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ونقلت الصحيفة عن الباحث الإثيوبي مهاري تاديل مارو قوله إن الإمارات لا تعتمد فقط على العلاقات الرسمية مع الحكومات، وإنما تبني أيضًا علاقات مع جماعات مسلحة وشبكات محلية، بما يشمل تجارة السلاح والذهب، وهو ما يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك على استقرار المنطقة.
كما نقلت عن وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسكل انتقاده لما وصفه بـ"الطموح غير المبرر للسيطرة على المنطقة"، معتبرًا أن المشروع الإماراتي بدأ عبر السيطرة على الموانئ قبل أن يتوسع إلى مجالات أخرى.
السودان في قلب المشروع
وتقول "فايننشال تايمز" إن السودان كان يمثل أحد أهم ركائز الاستراتيجية الإماراتية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قبل اندلاع الحرب.
وتشير إلى أن شركات إماراتية كانت تخطط لاستثمار مليارات الدولارات في مشاريع زراعية ومينائية، من بينها مشروع ميناء "أبو عمامة" على البحر الأحمر بقيمة 6 مليارات دولار، إلى جانب مشروع زراعي ضخم في منطقة أبو حمد على نهر النيل.
لكن الحرب الأهلية أدت إلى تعطيل هذه المشاريع، فيما أعلنت الشركة العالمية القابضة لاحقًا انسحابها من المشروع الزراعي.
تجارة الذهب وتمويل الحرب
ويربط التحقيق بين الدور الإماراتي في تجارة الذهب الأفريقي واستمرار الحرب في السودان.
ويستند إلى تقديرات منظمة "سويس إيد" التي تشير إلى أن ذهبًا أفريقيًا بقيمة تقارب "30 مليار دولار سنويًا" يصل إلى دبي دون تسجيل رسمي.
كما يستشهد بدراسة صادرة عن معهد "تشاتام هاوس"، تفيد بأن جزءًا كبيرًا من الذهب السوداني المستخرج بطرق تقليدية يتم تهريبه إلى الإمارات، الأمر الذي يسهم -بحسب الدراسة- في تمويل أطراف النزاع داخل السودان.
وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤول إماراتي تأكيده أن بلاده تطبق أعلى المعايير الدولية في تنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال، وأن جميع الواردات تخضع لإجراءات رقابية صارمة.
اتهامات بدعم قوات الدعم السريع
ويتناول التحقيق الاتهامات الغربية والأممية بشأن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع.
وأشار إلى أن خبراء في الأمم المتحدة وأجهزة استخبارات غربية ومنظمات حقوقية وثقوا، خلال العامين الماضيين، وجود شبكات إمداد عسكرية عبر قواعد ومطارات في البحر الأحمر ودول أفريقية حليفة، استخدمت -بحسب تلك التقارير- في إيصال الأسلحة إلى قوات الدعم السريع.
وأضاف أن هذا الدعم ساعد القوات على امتلاك طائرات مسيرة ومنظومات دفاع جوي ومدرعات حديثة، في حين تواصل الإمارات نفي تقديم أي دعم عسكري أو مالي لأي من أطراف الحرب السودانية.
بربرة.. نموذج للنفوذ الإماراتي
وتعتبر الصحيفة أن ميناء "بربرة" في أرض الصومال يمثل النموذج الأوضح لدمج النفوذ الاقتصادي بالأمني.
فإلى جانب استثمار شركة موانئ دبي العالمية نحو "450 مليون دولار" في تطوير الميناء، تشير الصحيفة إلى اتفاقيات موازية أتاحت للإمارات استخدام قاعدة بحرية وعسكرية قريبة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية والطرق التي تربط الميناء بإثيوبيا.
وترى الصحيفة أن هذا النموذج يجسد تقسيم الأدوار داخل الإمارات، حيث تتولى دبي الجانب التجاري واللوجستي، بينما تقود أبوظبي الملفات الأمنية والعسكرية.
ويخلص تحقيق "فايننشال تايمز" إلى أن تراجع الحضور الغربي في أفريقيا أتاح المجال أمام قوى إقليمية متوسطة، مثل الإمارات وتركيا والسعودية وقطر، لتعزيز نفوذها داخل القارة.
إلا أن الصحيفة ترى أن الإمارات كانت الأكثر نشاطًا وتأثيرًا، عبر الجمع بين الاستثمار والوجود الأمني والعلاقات مع الحكومات والجماعات المحلية، وهو ما أثار مخاوف عدد من الباحثين والسياسيين الأفارقة من أن يتحول النفوذ الاقتصادي إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في القارة.
وفي المقابل، تؤكد الإمارات، بحسب ما نقلته الصحيفة، أن علاقتها بأفريقيا تقوم على "الثقة المتبادلة والتنمية المستدامة"، وأن استثماراتها تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي وتحسين البنية التحتية، نافية الاتهامات المتعلقة بدعم أطراف النزاعات أو استخدام استثماراتها لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية.