في كل مكان في الدنيا، هذا ما لاحظته على الأقل من خلال أسفاري وتنقلاتي، يحب الناس الأماكن القديمة، الأثرية أو التي نسميها التراثية، يسأل السياح عن الجزء القديم في أي مدينة يسافرون إليها، وبعد أن يعثروا عليه ويتعثروا بجمالياته ويقعون في غرامه يفضلون السكن فيه ويخططون للعودة مراراً وتكراراً، لماذا؟ لأن معظم الناس يحبون الماضي أكثر ويحنّون إليه باستمرار، لسبب وحيد، هو أنه حصل وانتهى، وعادة كل ما يحصل نعرفه جيداً ونأمنه، أما ما لم يحدث فهو مجهول، والمجهول مخيف عادة أو مدعاة للتوجس، لذلك قيل: «الإنسان عدو ما جهل».
في الكويت، حين فكرت في مكان قديم، وجدت من ينصحني بمنطقة المباركية، والمباركية تشير غالباً إلى سوق المباركية، أكثر مما تشير إلى منطقة سكن أو معالم أثرية، هو سوق كبير مساحةً، ومتنوع برغم تواضعه الشكلي، يقع في منطقة اسمها القبلة، يأخذ شكل الأسواق القديمة التراثية المعروفة، وتذكرك بواباته الخشبية العتيقة بسوق جبيل القديم، وبسوق دبي القديم، وغيرهما من الأسواق!
يعود الاسم، كما تذكر المراجع، إلى الشيخ مبارك الصباح، وهو من المعالم التراثية لدولة الكويت، حين تتمشى فيه باحثاً عن غرض ما، ستجد نفسك تدخل متاهة بلا نهاية من الممرات والدهاليز والدكاكين والبضائع من كل صنف، في أوله تفوح روائح السمك، وتحلّق طيور النورس، وفي أعماقه تفوح روائح الزيتون والزعتر البري وجميع أنواع الفواكه، لقد تذكرت سوق برشلونه للفواكه واللحوم، مع فوارق طفيفة في التنظيم والترتيب ربما!
تشعر وأنت تقلّب البضائع بأنك تمر بتركيا والصين وإيران، فالمواد الغذائية والاستهلاكية والحلويات الشعبية والتمور والعسل ومحلات العطارة والملبوسات الرجالية والنسائية، إضافة إلى مجموعة من محلات الأكسسوارات والسلع التراثية والتحف والخزفيات والتذكارات. عن نفسي، استعدت ذلك التسكع في الجراند بازار في إسطنبول، وكذلك سوق البهارات أو ما يُعرف بالسوق المصري، هذا ما يبقى في الذاكرة من كل مدينة، رائحة البهار والألوان عادة!
لا تمل التسكع في هذه الأمكنة، أسميها روح المدينة الحقيقية، بغض النظر عن حقيقتها التجارية، فالمتسوق يبحث عما ينعش روحه ويربطه بالمكان، ويعيد إليه بشكل نوستالجي أمكنة يعرفها وتسكن ذاكرته عادة!