أغلقت دولة الإمارات أسواقها المالية الرئيسية وسط اتساع رقعة الصراع في المنطقة، في أعقاب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران.
وأعلنت الهيئة التنظيمية المالية في الإمارات، يوم الأحد، أن أسواقها الرئيسية في دبي وأبوظبي لن تفتح أبوابها فور انتهاء العطلة الأسبوعية، وذلك في خضم تداعيات الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي.
وجاء الإعلان عن استمرار إغلاق سوق أبوظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي أمس الإثنين واليوم الثلاثاء، بعد تعرض الإمارات لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بما في ذلك ضربة استهدفت مطار أبوظبي الرئيسي وأدت إلى مقتل شخص وإصابة سبعة آخرين.
وذكرت هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية في بيان لها أنها ستواصل مراقبة التطورات في المنطقة و"تقييم الوضع بشكل مستمر، مع اتخاذ أي إجراءات إضافية حسب الضرورة".
إليكم كل ما تحتاجون معرفته حول هذه الخطوة حسب ما أورده موقع الجزيرة الإنجليزية وترجمه "الإمارات 71":
لماذا قررت الإمارات إغلاق أسواق الأسهم الرئيسية؟
لم تسهب الهيئة التنظيمية المالية في تفاصيل الأسباب الكامنة وراء قرارها، مكتفية بالقول إنه اتخذ وفقاً لـ "دورها الإشرافي والرقابي" في إدارة الأسواق المالية بالدولة.
وعلى الرغم من أن إغلاق سوق الأسهم خارج العطلات المقررة يُعد أمراً غير مألوف نسبياً على مستوى العالم، لا سيما في عصر التداول الإلكتروني، إلا أنه ليس سابقة من نوعها. وعادةً ما تلجأ السلطات المالية إلى وقف تداول الأسهم أثناء الأزمات بدافع القلق من حدوث موجات بيع ناتجة عن الذعر.
ففي فترات التقلب الشديد، مثل الحروب والأزمات المالية، غالباً ما يهرع المستثمرون لبيع حيازاتهم لتجنب تكبد خسائر فادحة. ومع قيام المستثمرين ببيع أسهمهم، تنخفض القيمة السوقية بشكل أكبر، مما قد يؤدي إلى حلقة مفرغة يمكن أن تسفر -إذا تُرِكت دون رادع- عن انهيار كامل للسوق.
ومنذ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شهدت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم خسائر ملحوظة -وإن لم تكن كارثية- بينما ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد. فقد تراجع المؤشر العام للسوق السعودية (تاسي) بنسبة تجاوزت 4% يوم الأحد، بينما انخفض مؤشر "إي جي إكس 30" المصري بنحو 2.5%. وفي آسيا، أغلقت أسواق الأسهم الرئيسية على انخفاض يوم الاثنين، حيث تراجع مؤشر "نيكي 225" الياباني ومؤشر "هانغ سينغ" في هونغ كونغ بنسبة 1.4% و2.2% على التوالي.
وتثير ممارسة إغلاق السوق لمنع البيع الناتج عن الذعر جدلاً بين الاقتصاديين والمستثمرين؛ إذ يمنع إغلاق السوق المستثمرين من الوصول إلى السيولة النقدية التي قد يحتاجون إليها بشكل عاجل. كما يرى المنتقدون أن مثل هذه الإغلاقات لا تؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالذعر الذي تسعى لمنعه، وتؤدي إلى تشويه المؤشرات الهامة للسوق.
وفي هذا الصدد، صرح بيردين هيكوك، الأستاذ في مدرسة الدراسات المهنية بجامعة نيويورك، لقناة الجزيرة قائلاً: "المستثمرون لا يحبون عدم اليقين، وفي أوقات ضغوط السوق، تكون السيولة هي الأمر الأكثر أهمية. ويبدو أن الإمارات قد سلبت ذلك للتو". وأضاف: "هذه الخطوة قد تؤدي إلى تراجع مكانة دبي كسوق رئيسي حقيقي وتضعف ثقة المستثمرين في أسواقها. ولا بد أن يكون هناك قلق بشأن هروب رؤوس الأموال والآثار السلبية المتتالية".
هل حدث هذا من قبل؟
سبق للإمارات أن أغلقت بورصاتها من قبل، وإن لم يكن ذلك بسبب صراع إقليمي. ففي عام 2022، أوقفت الإمارات التداول كجزء من فترة الحداد التي أُعلنت لوفاة الرئيس الراحل خليفة بن زايد آل نهيان. كما أعلنت إمارة دبي عن توقف مماثل عقب وفاة حاكمها الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في عام 2006.
ويقول هيكوك: "تاريخياً، وعلى حد علمي، لم تغلق أي دولة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، بورصتها خلال فترة صراع إقليمي. وفي الصراعات السابقة، قامت إسرائيل بتعديل ساعات عمل بورصتها، لكننا نتحدث هنا عن ساعات وليس أياماً".
وقد أغلقت دول أخرى أسواق أسهمها خلال فترات الاضطرابات الكبرى في السنوات الأخيرة؛ فبعد أن شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022، أغلقت السلطات بورصة موسكو لمدة شهر تقريباً. وفي عام 2011، أغلقت مصر بورصتها لمدة شهرين تقريباً بينما كانت البلاد تصارع اضطرابات الربيع العربي. وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، توقف التداول في بورصة نيويورك و"ناسداك" لمدة ستة أيام، وهي أطول فترة تعليق منذ زمن الكساد الكبير.
ما مدى أهمية سوق الأسهم الإماراتية؟
تُعد الإمارات لاعباً صغيراً نسبياً في عالم أسواق رأس المال، رغم أنها حققت تقدماً كبيراً في السنوات الأخيرة. وتبلغ القيمة السوقية المجمعة لسوق أبوظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي نحو 1.1 تريليون دولار.
وبالمقارنة، تبلغ القيمة السوقية لبورصة نيويورك، وهي أكبر بورصة في العالم، حوالي 44 تريليون دولار، بينما تُقدر قيمة "تداول" السعودية، وهي أكبر بورصة في الشرق الأوسط، بأكثر من 3 تريليونات دولار.
ومع ذلك، فإن مكانة الإمارات بين الأسواق المالية كانت في صعود مستمر؛ فقبل الأزمة الأخيرة، كانت الأسهم المدرجة في الإمارات تمر بموجة صعود قوية. إذ ارتفع المؤشر العام لسوق دبي المالي، الذي يضم شركات مثل "بنك الإمارات دبي الوطني" و"إعمار العقارية"، بنسبة تجاوزت 29% خلال الـ 12 شهراً المنتهية في 27 فبراير.
من جانبه، قال هيثم عون، الأستاذ المساعد في التمويل بالجامعة الأمريكية في دبي، إنه في حين قد تشهد الإمارات بعض التدفقات الخارجة لرؤوس الأموال الأجنبية، إلا أن اقتصاد البلاد لا يزال في وضع قوي. وأوضح عون للجزيرة: "سيكون لإغلاق سوق الأسهم المؤقت تأثير محدود على المتغيرات الاقتصادية طويلة الأجل، بشرط أن تظل الأساسيات قوية. وفي الحالة الإماراتية، هذا تدخل وقائي، وليس علامة على ضعف هيكلي".