كشفت ورقة تحليلية حديثة نشرها الباحث الإسرائيلي جوشوا كراسنا في مجلة "ملاحظات تل أبيب" الصادرة عن مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية بجامعة تل أبيب، أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تشهد مرحلة من التباين المتزايد، مدفوعة بخلافات سياسية واقتصادية وإقليمية، إضافة إلى تداعيات الحرب الإيرانية الأخيرة وما أعقبها من هجمات استهدفت دول الخليج.

وترى الدراسة، التي نُشرت في 4 يونيو 2026 بعنوان "الإمارات: التوتر مع السعودية، والمضي قدماً في مسارها الخاص، وتعزيز التحالفات القائمة في أعقاب الهجمات الإيرانية"، أن أبوظبي تتجه نحو تبني سياسة خارجية أكثر استقلالاً، مع إعادة تقييم تحالفاتها الإقليمية والدولية.

يشير كراسنا إلى أن الخلافات بين الرياض وأبوظبي ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات سابقة، رغم الشراكة الوثيقة التي جمعت البلدين خلال العقد الماضي في ملفات إقليمية عدة

وبحسب الدراسة، فإن الانسحاب الإماراتي من اليمن عام 2019 شكّل إحدى أولى محطات التباين الواضح بين الجانبين، قبل أن تتوسع الخلافات لاحقاً لتشمل ملفات اقتصادية واستراتيجية، أبرزها المنافسة على جذب الاستثمارات العالمية والمقار الإقليمية للشركات الدولية، إضافة إلى التنافس في قطاعات الطيران والسياحة والخدمات المالية.

وخصصت الورقة مساحة واسعة للملف اليمني، معتبرة أنه شكّل إحدى أبرز نقاط الاحتكاك بين الرياض وأبوظبي خلال السنوات الأخيرة.

وتشير الدراسة إلى وجود تباين في الرؤى بين البلدين تجاه مستقبل اليمن، حيث ترى أن السعودية تركز على دعم مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدة البلاد، بينما تميل الإمارات ـ وفق رؤية الكاتب ـ إلى دعم قوى انفصالية تحقق مصالحها الاستراتيجية في المناطق الساحلية وممرات الملاحة.

وتعتبر الدراسة أن التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة أواخر عام 2025 مثلت ذروة هذا التباين، وأسهمت في رفع مستوى التوتر السياسي بين الجانبين.

ويرى كراسنا أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي امتد أيضاً إلى السودان، حيث تتبنى كل دولة مقاربة مختلفة تجاه أطراف الصراع هناك.

كما تناولت الدراسة الملف الصومالي، معتبرة أن التنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر أصبح أحد أبرز أوجه التنافس الجيوسياسي بين البلدين.

وبحسب الدراسة، تنظر الإمارات إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارهما جزءاً محورياً من أمنها الاقتصادي والتجاري.

ويقول الكاتب إن أبوظبي سعت خلال السنوات الماضية إلى بناء شبكة من الشراكات والنفوذ في موانئ ومناطق استراتيجية على امتداد الممرات البحرية، بما يضمن حماية مصالحها التجارية وتعزيز دورها كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية.

تحالفات جديدة تعمّق التباعد بين الرياض وأبوظبي.

ويرى الكاتب أن التباعد بين الرياض وأبوظبي لا يقتصر على الملفات الثنائية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية. ففي هذا السياق، يشير إلى ما يسميه بعض المحللين تكتل "STEP" الذي يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، موضحاً أن الرياض كثفت خلال الفترة الأخيرة تعاونها العسكري والأمني مع أنقرة وإسلام آباد، وسط تقارير تحدثت عن بحث تركيا الانضمام إلى إطار أمني سعودي ـ باكستاني أُعلن عنه في سبتمبر 2025، ويُنظر إليه باعتباره جزءاً من ترتيبات إقليمية تهدف إلى موازنة النفوذ الإسرائيلي.

ووفقاً للدراسة، فإن التقارب السعودي ـ التركي تعزز بفعل تقاطع المواقف حيال عدد من الملفات الإقليمية، أبرزها السودان والصومال وسوريا، كما أسهمت تداعيات الحرب في غزة في تقليص الفجوة بين البلدين وتقريب رؤاهما السياسية.

في المقابل، يتحدث الباحث الإسرائيلي عن محور آخر يتشكل حول الإمارات، ويضم الولايات المتحدة وإسرائيل والهند، معتبراً أن أبوظبي عملت خلال الأشهر الماضية على توسيع شراكتها مع نيودلهي، سواء عبر الاتفاقيات الاقتصادية أو التفاهمات الأمنية التي رافقت زيارات الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد إلى الهند مطلع العام الجاري. ويرى أن هذا المسار قد يمثل ثقلاً موازناً للتقارب المتنامي بين السعودية وباكستان.

ويشير كراسنا إلى أن بعض المراقبين يصفون المشهد الحالي بأنه تنافس بين ما يسمى "التحالف الإبراهيمي" الذي يضم الإمارات وإسرائيل وشركاء آخرين، و"التحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية بمشاركة تركيا وباكستان وقطر ومصر، غير أنه يحذر من المبالغة في تصوير هذه الاصطفافات باعتبارها كتلًا متماسكة بالكامل.

ويؤكد الباحث أن واقع العلاقات الإقليمية أكثر تعقيداً من هذه التصنيفات، لافتاً إلى أن مصر وتركيا، رغم تنامي تعاونهما مع السعودية، لا تزالان ترتبطان بمصالح اقتصادية واستثمارية واسعة مع الإمارات. كما يبرز الثقل الاقتصادي الإماراتي في المنطقة، مشيراً إلى أن أبوظبي نجحت خلال السنوات الماضية في توظيف استثماراتها وصناديقها السيادية وشبكة علاقاتها الاقتصادية لترسيخ نفوذها في عدد من الدول، وفي مقدمتها مصر وتركيا.

كما يشير الكاتب إلى تنامي التعاون الإماراتي ـ الهندي في المجالات الاقتصادية والأمنية، معتبراً أن هذا المسار يمثل أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تراهن عليها أبوظبي لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.

الهجمات الإيرانية وتغير الحسابات الإماراتية

وتعتبر الدراسة أن الهجمات الإيرانية التي أعقبت الحرب الأخيرة شكّلت نقطة تحول مهمة في التفكير الاستراتيجي الإماراتي.

ويشير كراسنا إلى أن أبوظبي فوجئت بحجم الاستهداف الذي تعرضت له، رغم سنوات من الانفتاح الاقتصادي والتجاري مع طهران، وهو ما دفعها ـ وفق تقديره ـ إلى إعادة النظر في عدد من المسلمات التي حكمت سياستها تجاه إيران.

كما نقلت الدراسة تصريحات لمسؤولين إماراتيين سابقين وحاليين اعتبرت أن تلك الهجمات أظهرت حدود سياسة التهدئة مع إيران وأعادت ترتيب أولويات الأمن القومي الإماراتي.

وقوبلت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية على دول الخليج - والتي تحملت الإمارات نصيب الأسد منها، حيث تكبدت ضربات مشتركة أكثر من إسرائيل - بالدهشة والغضب من قبل القيادة الإماراتية. وقد أمضت الإمارات معظم السنوات الأربع الماضية في تحسين العلاقات مع إيران والسعي إلى تحقيق انفراجة كبيرة معها.

وبشكل عام، كانت الإمارات على مر السنين ثاني أكبر شريك تجاري لإيران، فضلاً عن كونها "بوابة خلفية" لها للتعامل مع سنوات من العقوبات الغربية، وكانت دبي على وجه الخصوص جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الإيراني، حيث تضم مئات الآلاف من السكان إما من أصل إيراني أو من المغتربين الإيرانيين، وقد حطمت الهجمات الأخيرة ما وصفه أنور قرقاش، بـ"اتفاقيات الشرف" غير المكتوبة، والتي بموجبها امتنعت إيران عن استهداف دول الخليج، بينما لم تسمح هذه الاتفاقيات باستخدام منشآتها ومجالها الجوي في أي نوع من الهجمات على إيران.

مراجعة للتحالفات الإقليمية والدولية

ويرى الباحث الإسرائيلي أن الحرب الأخيرة دفعت أبوظبي إلى تعزيز علاقاتها مع عدد من شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة و:إسرائيل" ودول أوروبية وآسيوية.

واستدل الباحث بتصريحات مستشار رئيس الدولة، أنور قرقاش، في 17 مارس الماضي، والتي اعتبر فيها أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج ستؤدي إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي في المنطقة وتوثيق علاقاته مع الدول المرتبطة به، بدلاً من تقليص نفوذه.

وبحسب الدراسة، رأى قرقاش أن تداعيات الحرب ستدفع دولاً لا تقيم علاقات مع إسرائيل إلى البحث عن قنوات أوسع لتعزيز قدراتها الدفاعية والتكنولوجية، مشيراً إلى وجود تباين في النظرة إلى إسرائيل بين دول المشرق العربي ودول الخليج. فبينما تُنظر إليها في بلاد الشام باعتبارها تهديداً رئيسياً، فإن دول الخليج تعرضت لهجمات مباشرة من إيران، وليس من إسرائيل، وهو ما اعتبره قرقاش خطأً استراتيجياً إيرانياً أسهم في جعل طهران تبدو تهديداً أكبر من إسرائيل في الحسابات الأمنية الخليجية.

كما نقل الباحث عن قرقاش تأكيده أن الإمارات ستواصل تعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة، التي وصفها بالشريك الأمني الرئيسي لأبوظبي، متوقعاً أن يزداد الحضور والنفوذ الإسرائيلي في الخليج خلال المرحلة المقبلة.

وأشار قرقاش، وفق ما أوردته الدراسة، إلى أن سياسات الاحتواء التي انتهجتها دول الخليج خلال السنوات الماضية لم تنجح في توفير الأمن المنشود، منتقداً أداء مجلس التعاون الخليجي خلال الحرب، وواصفاً موقفه بأنه من بين الأضعف في تاريخه. كما اعتبر أن التحولات التي شهدتها المنطقة ستفرض مراجعة شاملة وواقعية للعلاقات الخليجية والإقليمية، مؤكداً أن المشهد الإقليمي بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها.

الانسحاب من أوبك

ومن بين أبرز الملفات التي تناولتها الدراسة قرار الإمارات الانسحاب من منظمة "أوبك"، معتبرة أن هذه الخطوة تعكس توجهاً إماراتياً متزايداً لإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية المباشرة على حساب التوافقات الجماعية.

ويقول الكاتب إن أبوظبي كانت تبدي منذ سنوات تحفظات على حصص الإنتاج داخل المنظمة، خصوصاً مع ارتفاع قدراتها الإنتاجية النفطية.

تخلص الدراسة إلى أن جانباً مهماً من التنافس بين البلدين يعود إلى تشابه المشاريع الاقتصادية الكبرى لكل منهما.

فكل من السعودية والإمارات، بحسب الورقة، يسعيان إلى التحول إلى مراكز عالمية في مجالات الاستثمار والذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، ما يجعل المنافسة بينهما أكثر حدة في بعض القطاعات.

لا قطيعة خليجية متوقعة 

ورغم تصاعد حدة التباينات، يستبعد كراسنا أن تصل العلاقة بين الرياض وأبوظبي إلى مستوى القطيعة السياسية أو خروج الإمارات من مجلس التعاون الخليجي، إذ يرى أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يؤدي إلى عزلها إقليمياً، في وقت يقوم فيه هذا التكتل على شبكة من الترابط الاقتصادي والبنية التحتية المشتركة التي تشكل أحد أهم ركائزه.

وبحسب الباحث، فإن استمرار عضوية أبوظبي في مجلس التعاون يمنحها مساحة للتأثير في مسار العمل الخليجي المشترك، وعدم ترك مسار التكامل الإقليمي مرهوناً بالكامل بالرؤية السعودية. ويشير في هذا السياق إلى مؤشرات على توجه إماراتي لتعزيز شراكات ومشاريع استراتيجية مع سلطنة عُمان بهدف تجاوز نقاط الاختناق الجيوسياسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لافتاً إلى مشاريع مطروحة لتسريع ربط ميناء صحار بشبكات السكك الحديدية، إلى جانب خطط لإنشاء ممرات برية للصادرات والواردات غير النفطية عبر موانئ عُمانية رئيسية مثل صحار ومسقط والدقم وصلالة.

ويضيف الكاتب الإسرائيلي أن تصاعد المنافسة الإقليمية يفرض مزيداً من التعقيد على مشاريع الربط التجاري، مشيراً إلى أن الأراضي السعودية تظل محوراً أساسياً في جميع الممرات التي تربط آسيا وشبه القارة الهندية بالبحر المتوسط عبر الخليج، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة في ظل المخاوف المرتبطة بإغلاق محتمل لمضيقي باب المندب وهرمز، إذ إن أي مسار بري ينطلق من الإمارات أو قطر أو البحرين لا بد أن يمر عبر الأراضي السعودية.

ويخلص الباحث إلى أن مستقبل هذه المشاريع سيبقى مرهوناً بما إذا كانت التوترات الجيوسياسية ستتغلب على منطق التكامل الاقتصادي والبنية التحتية الإقليمية، التي يفترض أن توفر بدائل أكثر استقراراً لطرق التجارة بين آسيا والبحر المتوسط وأوروبا، رغم استمرار المنافسة والتباينات في عدد من الملفات.