حملت الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الإمارات رسائل سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، عكست طبيعة التحول الذي تشهده العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، من شراكة تجارية تقليدية إلى تحالف استراتيجي واسع يمتد من الطاقة والاستثمار إلى الأمن البحري والدفاع.

ووصل مودي إلى أبوظبي اليوم الجمعة، حيث كان في استقباله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وسط مراسم رسمية شملت مرافقة الطائرة بسرب من المقاتلات الإماراتية، في مشهد عكس مستوى العلاقات السياسية بين البلدين.

وخلال المباحثات، ركز الجانبان على توسيع مسارات التعاون ضمن إطار “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” و“اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة”، مع التأكيد على استمرار العمل المشترك في القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والفضاء.

وشهدت الزيارة توقيع حزمة اتفاقيات وصفتها أبوظبي بأنها خطوة جديدة نحو توسيع آفاق التعاون الثنائي، كان أبرزها اتفاقية إطار للشراكة الدفاعية الاستراتيجية بين وزارتي الدفاع في البلدين، في مؤشر على تصاعد البعد الأمني والعسكري في العلاقات الإماراتية الهندية.

وفي قطاع الطاقة، وقعت أدنوك اتفاقيتين مع شركات هندية، الأولى مع شركة الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية الهندية، والثانية مع شركة النفط الهندية بشأن توريد غاز البترول المسال، بما يعكس سعي البلدين لتعزيز أمن الطاقة وضمان استقرار الإمدادات.

اقتصادياً، كشفت الزيارة عن توسع الاستثمارات الإماراتية في السوق الهندية عبر صفقات بمليارات الدراهم، شملت استثماراً من بنك الإمارات دبي الوطني للاستحواذ على حصة تبلغ 60% في بنك “RBL” الهندي، إضافة إلى استثمارات من جهاز أبوظبي للاستثمار في صندوق البنية التحتية الهندي، واستحواذات جديدة تقودها الشركة العالمية القابضة داخل السوق الهندية.

وتزامنت الزيارة مع تطورات أمنية لافتة في المنطقة، بعدما أعلنت الهند تعرض سفينة ترفع علمها لهجوم قبالة السواحل العُمانية أثناء توجهها من الصومال إلى الإمارات، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها وغرقها لاحقاً، بينما تمكنت السلطات العُمانية من إنقاذ أفراد الطاقم.

وأدانت الإمارات الهجوم بشدة، معتبرة أن استهداف السفن التجارية يمثل تهديداً مباشراً لحرية الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي، كما حذرت من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط أو ابتزاز اقتصادي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وفي المقابل، جدد مودي خلال الزيارة إدانة ما وصفها بـ”الاعتداءات الإرهابية” التي استهدفت الإمارات، مؤكداً دعم نيودلهي لأمن الدولة الخليجية واستقرارها، وهو موقف اعتبره مراقبون مؤشراً على تنامي التنسيق السياسي والأمني بين الجانبين.

وفي خضم هذا الحراك، برزت تصريحات أنور قرقاش التي وصف فيها العلاقة مع الهند بأنها “تاريخية ومتعددة الأبعاد”، مشيراً إلى أنها تطورت خلال أكثر من عقد إلى شراكة استراتيجية راسخة تقوم على الثقة والمصالح المشتركة والرؤية المستقبلية.

وقال قرقاش إن العلاقة بين البلدين “تتعزز يوماً بعد يوم، وتعود بالخير والنماء على الشعبين الصديقين”، في إشارة إلى أن أبوظبي تنظر إلى نيودلهي باعتبارها شريكاً محورياً في معادلة الاقتصاد والأمن الإقليمي.

وتشير مجمل المؤشرات التي رافقت الزيارة إلى أن العلاقات الإماراتية الهندية تجاوزت مرحلة التعاون الاقتصادي التقليدي، لتدخل طوراً جديداً يقوم على تقاطع المصالح الجيوسياسية وحماية خطوط التجارة والطاقة، خصوصاً في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة فضلاً عن توتر العلاقات مع باكستان ما يمنح الزيارة بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى إعادة تموضع سياسي واستراتيجي أوسع في جنوب آسيا والخليج.

وتعكس الزيارة، بما رافقها من اتفاقيات دفاعية واستثمارات بمليارات الدولارات وتنسيق في أمن الملاحة والطاقة، اتجاهاً واضحاً نحو تعميق التحالف الإماراتي الهندي، في وقت تتصاعد فيه حساسيات العلاقات الإقليمية المرتبطة بملفات الأمن والاقتصاد وسلاسل الإمداد.